ابراهيم بن حسن البقاعي

68

عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران

فما فرغ من بحثها إلا وهي من كثرة التنقيب قد رسخت ، وما نزع من حلها إلا وعقود جمانها كالبحار كلما أراد سخت ، ثم ركب مطايا الهمم في العبادة والاشتغال ، فما وضع رحله ولا أراح رجله حتى فاز من كعبة الأماني بالوصال ، طالما طوى في بيداء الأفكار الأيام والليالي ، وكنش « 138 » قفار التأميل بمياه بحر الدليل والتعليل السلسال ، ونثر في طلب الكمال ، إذ حاد عن طرق أهل الزيغ والضّلال [ وبذل ] كل جمان ومال ، وخاض شدائد الطلب حتى هال أصحابها إذ هال كل نفيس « 139 » وغال ، وكان بعد ذلك يجيد حلها للناس حتى اشتهر بحسن إقرائها . وتفقه على القرقشندى ، وشارك في جميع الفنون إلى أن صار إماما عالما في كل منها لكثرة مذاكرته بما يعرفه ، وقصده الخير ، وهو مع ذلك شديد الملازمة للخيرات والعبادة ، لا تعرف له صبوة . ثم انقطع وهو مقيم تارة في القدس وتارة في الرملة ، لا يخلّى سنة من السنين عن المرابطة على جانب البحر بالأسلحة الجيّدة ، ويحثّ أصحابه على الشجاعة ومعالى الأخلاق ، ويدعو إلى اللّه سرا وجهرا ، ويأخذ على أيدي الظّلمة ، مع محبة الخمول ، والشغف بعدم الظهور ، لا يقبل لأحد شيئا . عرضت عليه أشياء من زينة الدنيا فلم يقبل شيئا منها ، من جملتها أن الأمير حسام الدين حسن ناظر القدس والخليل ونائبهما كان بنى في القدس مدرسة وقرره شيخا بها وجعل له عشر دراهم فضة كل يوم فأبى ، ولم يصل إليه شيء من المال ممّا يقصد « 140 » به ليفرّقه على الفقراء بل يأمر صاحبه أن يتعاطى تفرقته إن شاء .

--> ( 138 ) في نسخة السليمانية « وكنش » ، وكنش بمعنى جاب الصحراء طولا وعرضا ، وكنش في اللغة . هي : أن يأخذ الرجل المسواك فيلين رأسه بعد خشونته ، يقال قد كنشه بعد خشونة ، والكنش فتل الأكسية ، راجع لسان العرب مادة « كنش » . ( 139 ) في تونس والسليمانية « نفس » . ( 140 ) أمامها في هامش السليمانية « شيء مما يتصف به » وفي هامش تونس « مما يقصد به » .